مع التقلبات الحادة في أسعار الذهب وتوابعه، يقف السوق اليوم عند مفترق حساس، حيث تتقاطع العوامل الاقتصادية مع المشهد الجيوسياسي، بين شبح التصعيد الذي يدفع نحو الملاذات الآمنة، وفرص التفاوض التي قد تعيد خلط الأوراق وتبدّل الاتجاهات. لذلك، لا يبدو القرار المالي مجرّد أرقام، بل قراءة دقيقة لميزان القلق والترقب.
في هذا السياق، رأى الصحافي والأستاذ الجامعي أنطوان الحاج، في حديث خاص لـ"الجمهورية"، أن جوهر الأزمة الحالية يعود إلى إلغاء التغطية الذهبية للدولار الأميركي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، ما أتاح للولايات المتحدة طباعة العملة من دون سقف فعلي، مستندة إلى قوتها العسكرية وهيمنتها على التجارة العالمية، ولا سيما تجارة النفط.
وأوضح الحاج أن واشنطن حريصة على بقاء تجارة الطاقة العالمية مسعّرة بالدولار، للحفاظ على الطلب العالمي على عملتها، إلا أن دخول قوى كبرى مثل الصين وروسيا في التعامل بعملاتها الخاصة، إضافة إلى استيراد الهند للنفط الروسي، شكّل تحدياً مباشراً لمنظومة "البترودولار". وأضاف أن "من مصلحة الولايات المتحدة أيضاً إعادة إدخال نفط فنزويلا إلى السوق تحت نفوذها، في محاولة لاستعادة السيطرة على منظومة الطاقة العالمية".
وأكد أن "هذه التحولات، إلى جانب حالة عدم اليقين المتزايدة، أدّت إلى اهتزاز الثقة بالدولار، ما دفع المستثمرين، ليس فقط الأفراد بل أيضاً الحكومات، إلى التوجه نحو المعادن النفيسة، وعلى رأسها الذهب، باعتباره ملاذاً آمناً لا يتأكسد ولا يفقد قيمته، خصوصاً في ظل المخاوف من اندلاع حروب أو تراجع حاد في قيمة الدولار".
وأشار الحاج إلى أن "الخشية الأساسية تكمن في احتمال فشل الولايات المتحدة في استعادة سيطرتها على "البترودولار"، ما يفاقم أزمة الدين العام الأميركي الهائل، ويدفع واشنطن إلى ضخ مزيد من السيولة في الأسواق لخفض القيمة الحقيقية للدولار وبالتالي الدين، الأمر الذي يؤدي حكماً إلى تراجع قيمة الدولار. ولهذا السبب، تكثّف العديد من الدول عمليات شراء الذهب في المرحلة الحالية".
وبرأي الحاج، فإن "ارتفاع أسعار الذهب سيستمر طالما بقيت التوترات قائمة، إلا إذا نجحت الولايات المتحدة في إعادة فرض سيطرتها، كما تحاول أن تفعل عبر ملفات مثل فنزويلا وإيران، والتي يعتبرها نزاعات اقتصادية أكثر منها سياسية. ففي حال تحقق ذلك، قد يستعيد الدولار جزءاً من قوته، ما ينعكس تراجعاً في أسعار الذهب".
وختم الحاج بالإشارة إلى أن "الاستثمار الأفضل يبقى في الذهب لا في الفضة، نظراً إلى أن الذهب يتراجع بوتيرة أبطأ بكثير من الفضة في حال انحسار التوترات الجيوسياسية، علماً أن مؤشرات هذا الانحسار لا تزال غير ظاهرة حتى الآن".
وسط هذه الاجواء، يتوقع بنك "جي بي مورغان" أن يدفع الطلب المتزايد من البنوك المركزية والمستثمرين أسعار الذهب إلى مستوى 6300 دولار للأوقية (الأونصة) بنهاية العام الحالي 2026.
وأوضح البنك في المذكرة أنه لا يزال مقتنعاً بتفاؤله طويل الأجل تجاه الذهب على خلفية التحول الهيكلي المستمر نحو الأصول الحقيقية مقابل الأصول الورقية، مع توقعات بأن تشتري البنوك المركزية نحو 800 طن من الذهب في 2026، في ظل اتجاه واضح لدى الدول لتنويع احتياطياتها بعيداً عن العملة الأميركية.